الرئيسية / غير مصنف / لماذا لا تقوم الدول ببساطة بطباعة المال من أجل تسديد ديونها؟

لماذا لا تقوم الدول ببساطة بطباعة المال من أجل تسديد ديونها؟

هل سبق وتساءلت عن السبب الذي يمنع الدول من طباعة الأموال بكل بساطة من أجل تسديد ديونها؟ أو طباعته من أجل إطعام المشردين، أو لإصلاح المنظومة الاجتماعية والقضاء على البطالة؟ أو لإصلاح أي مشكلة على علاقة بالمال؟

على الرغم من أن هذا السؤال قد يبدو غبيا بعض الشيء، غير أنه بدون شك واحد من تلك الأسئلة التي يشعر الناس بالإحراج ويترددون لطرحها. أقصر جواب ممكن لهذا التساؤل يمكن اختزاله في كلمة واحدة: ”التضخم“.

يتحدد مفهوم التضخم على أنه: ”ارتفاع مستمر ومعتبر في المستوى العام للأسعار بسبب ارتفاع حجم الأموال المطبوعة وهو ما ينجم عنه فقدان العملة لقيمتها“.

أولا علينا فهم ماهية المال:
قد يبدو هذا الأمر بديهيا، لكن من الجدير التنويه إلى أن المال لا يملك في الواقع قيمة ذاتية، وهو ما يعني أن المال في حد ذاته لا قيمة له، وهو يعتبر ذا قيمة فقط لأنه يخولنا من اقتناء الأشياء والخدمات، أي أنك إذا وجدت نفسك عالقا على جزيرة معزولة وكان بحوزتك بعض المال، فهذا المال لا قيمة له بالنسبة لك لأنه لن ينفعك بشيء.

بالطبع لم يكن الأمر دائما على هذه الحال، حيث ظل مفهوم المال متواجدا منذ ألف سنة تقريبًا، وقد بدأ استخدامه في المرة الأولى على شكل سلعة، حيث كان يتم الاتجار بالأشياء والأغراض بالمقايضة، وهي أشياء وأغراض كانت لها قيمة ذاتية وقيمة فعلية، على شاكلة الملح والسكر، والتوابل، والخيول، والأسلحة، إلى جانب بعض المعادن القيّمة مثل الذهب والفضة، التي لا تملك هي الأخرى تقنيا أية قيمة فعلية لكننا نحن البشر جعلناها ذات قيمة عالية بسبب ندرتها.

أن تحمل معك كل شيء تملكه من أجل مقايضته أو احتمال مقايضته بشيء آخر أنت في حاجة إليه لهو أمر صعب للغاية، وهو ما مهد لظهور ما يعرف ”بالمال التمثيلي“.

المال التمثيلي هو أن تمنح الذهب الذي تملكه للبنك الذي يقوم بحمايته لك ويعطيك بدلا عنه وثيقة تعترف لك بأنك تملك ذلك الذهب وتصرح بقيمته، ومن هنا أصبحت هذه الوثائق تستخدم كأموال ذلك أنه كان لحاملها القدرة على الذهاب إلى البنك واستخراج قيمتها ذهبًا.

غير أن الأمور تغيرت كثيرا اليوم، حيث صارت تقريبا كل دولة في العالم تستخدم ما يعرف ”النقود الائتمانية“، التي تتطلب الثقة والإيمان حتى تكون لها قيمة، أي أن المواطن يثق ويؤمن بأن ما تمنحه حكومته إياه على أنه مال هو مال حقيقي وذو قيمة.

لنأخذ على سبيل المثال دولة فتية على شاكلة الولايات المتحدة الأمريكية التي مرت عبر جميع الأنظمة المالية الثلاثة السابق ذكرها خلال تاريخها الوجيز الذي لا يتعدى 200 سنة، ففي سنة 1792 عندما توقفت عن استخدام العملة الأوروبية، جلب ”قانون سك العملة لسنة 1792“ مفهوم الدولار الأمريكي، الذي كان في الأصل عبارة عن ”مال بضاعة“ على شكل عملات معدنية مصنوعة من الذهب والفضة والنحاس.

لقد كانت تلك العملات المعدنية مصنوعة في الواقع من الذهب الحقيقي والفضة والنحاس أيضًا، وقد كانت قيمة المعادن التي صنعت منها العملات المعدنية تساوي قيمة العملات نفسها.

ثم انتقلت الدولة إلى نظام هجين بين مال البضاعة والمال التمثيلي مع قانون ”المعيار الذهبي لسنة 1900“. بموجب هذا القانون، قامت الحكومة الأمريكية بإصدار الدولار في عملات ورقية كان بالإمكان مقايضتها بالذهب في البنوك في أي وقت، وقد كان ”المعيار الذهبي“ نوعا من المال التمثيلي الذي كانت تستخدمه الدول آنذاك.

كانت تلك طريقة فعالة من أجل حساب وتيرة المبادلات بين الدول. على سبيل المثال، إذا كان غرام واحد من الذهب يساوي 1 جنيه استرليني في بريطانيا و1.50 دولارًا في الولايات المتحدة الأمريكية، يمكنك بسهولة استنتاج أن 1 جنيه استرليني يساوي 1.5 دولار أمريكي.

تم وقف سك العملات الذهبية وأسقطت العملات الفضية من الاستخدام، مما مثل نهاية المال البضاعة.

في سنة 1971، قام الرئيس الأمريكي (ريتشارد نيكسون) بصفة رسمية بإعلان تخلي الولايات المتحدة عن المعيار الذهبي في النظام المالي، وانتقلت على إثر ذلك الولايات المتحدة الأمريكية إلى العملة الائتمانية Fiat Money، لذا يمكننا اعتبار أن المال اليوم لا يدعمه الذهب أو أي بضاعة ذات قيمة فعلية.

إذن.. لماذا لا تقوم الدول بطباعة المال كل ما اقتضت الحاجة ذلك؟
بالعودة إلى سؤالنا الأول: تخبرنا أساسيات الاقتصاد بأن زيادة العرض تؤدي إلى نقص الطلب ومنه انخفاض الأسعار، لذا كل ما زاد حجم المال في الاقتصاد انخفضت قيمة العملة، مما يعني أن الدول الأخرى تصبح قادرة على شراء الكثير من عملتك مقابل القليل من عملتها.

كما أن زيادة حجم المال المتوفر داخل اقتصاد ما يؤدي إلى تحول في منحنى السلع والخدمات، على سبيل المثال، إذا ما قامت الحكومة بطباعة مليون دولار وأرسلت بها إلى جميع المواطنين في البلد عبر البريد وكان الجميع يرغب في شراء سيارة رياضية، على الرغم من أن عدد السيارات الرياضية محدود وعدد ملايين الدولارات كبير جدا، سيجعل هذا سعر السيارة الرياضية يرتفع كثيراً لأن الطلب عليها عظيم وهي نادرة نسبيا.

مثال آخر أن نتخيل وجود 4 أشخاص على جزيرة مهجورة، ويملك كل واحد منهم عشرة حبات فاكهة مختلفة، يمكن اعتبار جميع أنواع الفاكهة متساوية من حيث القيمة، الآن تخيل عزيزي القارئ أن يكتشف هؤلاء الأربعة وجود غابة كاملة من أشجار التفاح، على إثر ذلك تنخفض القيمة الفعلية للتفاح بسبب ارتفاع العرض، وعلى إثر ذلك يصبح سعر موزة واحدة مثلا 10 تفاحات، بما أن الطلب على التفاح قليل وعلى الموز كبير.

وفي هذا المثال السابق، يمثل الأشخاص الأربعة مختلف الدول، بينما تمثل الفواكه عملة كل دولة على حدى، وتمثل غابة التفاح الدولة التي قامت بطباعة الكثير من المال.

شاهد أيضاً

معين الشعباني يرفض المجازفة مجددا بهذه الورقة

اختار الاطار الفني للترجي الرياضي بقيادة معين الشعباني مواصلة إعفاء اللاعب نسيم بن خليفة من ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *